محمد جمال الدين القاسمي
247
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وهذه ترشدك - إن كنت من ذوي الهمة العالية - أن تصبر نفسك مع الذين يتعلمون أمدا طويلا ، ولا تعجل بالرئاسة حتى يبلغ الكتاب أجله ، وتنال حظا وافرا من الأخلاق والعلوم . فلا بأس بالوظائف ونفع الأمة مع دوام المثابرة على العلم والاستزادة منه ! فلقد صبر هذا النبيّ عليه السلام أياما وأياما ، ولبس للحوادث أثوابا وأثوابا ، حتى إذا غلب اليأس جاء الفرج والرفعة ! فتأمل ! كيف كانت هذه السورة يقرؤها القارئون ، ويسمعها الجاهلون وهم عن آياتها معرضون ! فإذا سمعوا صوتا حسنا ظنوا أن هذا هو جمال القرآن ، فقالوا للقارئ : سبحان من أعطاك ! وفرحوا بما عندهم من العلم بظواهر ورونق القراءة ، أو مجرد التفسير ومعرفة القصة ، ولم ينظروا إلى الحكم المودعة فيها ! فقبح الجهل ! يترك الرجل أعمى وإن لبس الحلل وارتدى ثياب الفخار الكاذب والسراب الخداع . . كم للإنسان من آيات وعبر في السماوات والأرض فيعرض عنها ! خلقت لنا الأبصار والأسماع والعقول لننظر ماذا في السماوات والأرض مما ذرأ المبدع في الكون ، وتلا القرآن - وهو كلام مبدع الكون - وتلطف في تصوير المعاني ، وألبسها أجمل لباس ، فأعرض العقلاء فضلا عن العامة ! فما للعامة لا يتعلمون ! وما لذوي البصائر لا ينصحون ولا يبّينون ؟ وما للناس لا يكادون يفقهون ؟ ذكرنا نموذجا عن هذه السورة استنشاطا لهمم العقلاء ، وحثا لمن لهم ذكاء وفطن وعقول راجحة - على الرجوع إلى كتابهم ونظرهم فيه ، وإزالة لشبه من ارتاب في هذه القصص فأعرض ! وجليّ أن قصص القرآن جميعها مملوءة بالحكم كهذه القصة ، وفي كل واحدة منها ما ليس في الأخرى كأنها ثمرات مختلف لونها ! أين من يفقه هذا ممن يقف مع ألفاظها وهم عن آياتها معرضون ؟ ولا عجب فإن نفوس الأسافل تأخذ الحكمة فترجعها من أفق سمائها إلى أرض ضعتها ، كما يصير الماء في شجرة الحنظل مرّا . فيقصدها هذا للنغمات ، وذلك لقصة بسيطة ، وآخر تسلية وتضييعا للزمن ، وآخر يقف عند الألفاظ وإعرابها وصرفها وبلاغتها . ولكن هذا أرقى مما قبله - فقد سار في الطريق وهي الألفاظ ، ولكن هيهات أن يصل للمقصود والثمرات إلا إذا أعدّ تلك القواعد مقدمة للمقصود وبحث فيه ! وآخرون يسمعون الآيات فيعرضونها على التاريخ ، والمؤرخون مختلفون كما قدمنا . وما مثل هؤلاء في سيرهم إلا كمثل رجل أوتي آلة بخارية ليسقي بها الحرث من النهر ، فجلس بجانبها وترك استعمالها وأخذ يتفكر : من أين هذا الحديد ؟ ولم يجلب الماء ؟ وإلى أي مسافة يرتفع ، وما العلة فيه ، ومن أين يأتي الفحم الحجريّ ،